جريدة الراية - قطر
الأحد30/1/2005 م
معجم أعلام العرب المسيحيين
د. محمد سليم العوا- كاتب مصري-
تفضل صاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال فأرسل إليَّ نسخة من الجزء
الأول من (معجم أعلام العرب المسيحيين في العصور الإسلامية). وهو أول معجم
متخصص في التعريف بالأعلام العرب المسيحيين منذ بعثة النبي صلي الله عليه
وسلم إلي عام 1924م.
واختيار عام 1924م. له دلالة
لا تخفي فهو عام سقوط الخلافة الإسلامية، وضياع الجامعة التي كانت العروة
الوثقي للشعوب الإسلامية ومواطنيها من العرب والعجم غير المسلمين. وبضياع
الخلافة انفرط العقد الذي كانت الأمة الإسلامية، ومن انضم إليها في أراضيها
من غير المسلمين، ترتبط به بحيث تعدَّ نفسها ويعدها غيرها أمة واحدة
بمسلميها وغير مسلميها.
في ظل وجود هذه الرابطة
الإسلامية لم يكن المؤرخون والعلماء المعنيون بالطبقات يفرقون في صناع
الحضارة الإسلامية بين المسلمين والمسيحيين، فكنت تري ترجمة إسحاق بن شليطا
الطبيب البغدادي في كتاب ابن أبي أُصيبعة في طبقات الأطباء وتجد معه إسحاق
الطبيب الأندلسي في الكتاب نفسه، وفي كتاب القفطي في طبقات الأطباء أيضاً،
ونجد إلي جواريهما الطبيب الصيدلاني الذي عاش في القرن الثاني الهجري أبا
حنين إسحاق العبادي والد الطبيب الذائع الصيت حنين بن إسحاق وجد الطبيب
والمترجم الشهير إسحاق بن حنين، كنت تجد هذه الأسماء وعشرات غيرها جنباً
إلي جنب مع أسماء الأطباء المسلمين والصيادلة المسلمين في كتب الطبقات.
وكنت تجد تراجم اللغويين في طبقات أهل اللغة أو في طبقات النحاة، وتراجم
الأدباء والشعراء في طبقات الأدباء أو طبقات الشعراء، وهكذا في كل فن وعلم
يجد الباحث المسلمين والمسيحيين مذكورين بأعمالهم وإسهامهم الحضاري دون نظر
إلي ديانتهم.
وكثير من هذه الكتب يذكر
أعلام غير المسلمين بأسمائهم المجردة وألقابهم وشهرتهم في العلم أو الفن أو
الصنعة التي نبغوا فيها دون أن يذكروا ديانتهم غير الإسلامية أصلاً، إنما
كان الباحثون يقفون علي هذه الديانة من النظر في كتب الأنساب التي ضمت
كغيرها من الكتب أنساب المسلمين وغير المسلمين جميعاً.
فلما ضعفت الحضارة العربية
الإسلامية وتمزقت الأرض التي كانت تظلها دولة الإسلام أيدي سبأ، أصبح الناس
يحتاجون إلي التعارف والتمايز بأمرٍ وراء مشاركتهم الحضارية وأخوتهم
الإنسانية تحت الراية الإسلامية، فأخذ يقال فلان المسلم وفلان المسيحي
وفلان اليهودي ثم في الإسلام قيل الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي وقيل
الإمامي والزيدي والإباضي والظاهري، ويقال اليوم السلفي والمتمذهب
والعلماني وكلهم إلا من أنكر الربوبية أو النبوة مسلمون. وقيل في المسيحية
كاثوليكي وأرثوذكسي وإنجيلي، وانتسب بعض هذه الطوائف إلي الأعراق فقيل روم
أرثوذكس وكاثوليك وقيل أرمن وسريان وغيرهم وقل مثل ذلك في اليهود العرب.
ولذلك أصبحت الحاجة إلي معجم
يختص بأعلام كل فريق من هؤلاء، ويبرز دورهم في بناء تاريخ هذه الأمة، الذي
كان مجيداً، عندما ساهموا في بنائه، حاجة مشروعة، وقد تكون في بعض الأحيان
ضرورية ومُلحة.
* * * * *
بهذا الفهم استقبلت معجم
أعلام المسيحيين العرب في العصور الإسلامية وسعدت برسالة سمو الأمير الحسن
بن طلال التي قال فيها إن هذا المعجم صدر ليكون مرجعاً علمياً متعلقاً
بالمسيحية في العصور الإسلامية، ويبرز إسهام المسيحيين في الحضارة العربية
الإسلامية في خلال ثلاثة عشر قرناً، والإنجازات والإضافات والمساهمات
العلمية والفكرية والطبية والفنية التي قدمها المئات منهم إلي أمتهم. وقد
احتفيت حفاوة خاصة بإصدار هذا المعجم، وعبرت عن ذلك في ردي علي رسالة
الأمير الحسن بن طلال، لأنه يترجم بصورة توثيقيةٍ دالةٍ ما ردَّدْته كثيراً
من أن إخواننا العرب غير المسلمين كانوا في هذه الحضارة صناعاً أصلاء ولم
يكونوا وافدين غرباء ولا مدّعين دخلاء. وهم بلغتنا العربية كتبوا صلواتهم
وترانيمهم ودونوا تواريخهم، وبلساننا نطق قديسوهم ووعاظهم، فما لهم من إرث
وأثر في هذه اللغة فهو لنا بالقدر نفسه، وما لنا فهو كذلك لهم.
لقد استغرق العمل في إصدار
الجزء الأول من هذا المعجم نحواً من سبع سنين واعتمد تحريره وتصنيفه علي
منهج بحثي وتوثيقي دقيق يكاد أن يكون بلغ الغاية في التحقيق والتوثيق، وهو
دليل علي الاهتمام الحقيقي للمعهد الملكي للدراسات الدينية بعمان، الذي
يرعاه ويرأس مجلس أمنائه الأمير الحسن بن طلال، بتثبيت أواصر الاحترام
المتبادل والتفاهم والسلام والتعاون بين أهل الأديان وأصحاب الثقافات التي
علي تباينها ترفد ثقافتنا العربية الإسلامية، والثقافة الإنسانية المشتركة
عامة بعطاء لا ينقطع من عوامل التجديد والتقوية.
وهذا العمل من أهم ما ينْدُبُ
أهل المروءة أنفسهم له، فإن الفرقة الدينية بيننا، نحن معشر العرب المسلمين،
وبين إخواننا العرب غير المسلمين ترفُ لا نملك ثمنه!
فثمنه ضياع استقلالنا، وذهاب
أمننا في أوطاننا، وهيمنة عدونا علي مقدراتنا الثقافية والفكرية بعد أن
هيمن تماماً علي مقدراتنا المالية والاقتصادية!
وهذه الفرقة تأخذ في بعض
لحظات الأزمات صورة الفتنة الدينية بين المسلمين وغير المسلمين والعاقل،
عندئذ، هو الذي يعمل، بإخلاص وتوجه إلي الله بطلب العون، علي إطفاء نيران
هذه الفتنة وإخماد جذوتها والقضاء علي أسبابها. ولا يصح شيء من ذلك إلا
بإعطاء كل ذي حقٍ حقه من المسلمين وغير المسلمين علي سواء. وبتطبيق القانون
علي الكافة بحيث لا يحول دين أحد، ولا سطوة مؤسسة دينية ينتمي إليها، ولا
عصبية أهل مذهبه أو طائفته بينه وبين أن يطبق عليه القانون كما يطبق علي
سواه دون زيادة ودون نقصان.
وقد تنحني قامات بعض الأنظمة
وبعض الحكومات، وبعض ذوي الجاه والسلطان، في لحظات الأزمة لأصحاب المواقف
التي تنشد مصالح وقتية ضئيلة القيمة علي حساب المصلحة الوطنية وأحياناً
القومية التي يجب تقديمها علي نوازع النفوس الصغيرة وأهوائها. وهذا
الانحناء المؤقت بلحظات الأزمة المحلية أو العالمية لا يجوز أن يصنع سابقة
تتبع، أو تقليداً يحترم، في العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين.
والواجب احترامه واتباعه هو
أن يكون المواطنون في كل وطن سواءً أمام القانون لا يميز بينهم بسبب دين
أحدٍ مهما قويت جماعته الدينية ولا يميز ضد أحد بسبب دينه مهما بدت ضعيفة
الجماعة الدينية التي ينتمي إليها. والذين يحاولون استغلال لحظات الأزمات،
هذه، لتحقيق مكاسب يظنونها دائمة وأبدية لا يحققون في واقع الأمر إلا خسائر
علي المدي الطويل قد لا يدفعون هم ثمنها إلا في ذكر التاريخ لأخطائهم أو
خطاياهم، ولكن أجيال الأبناء والأحفاد تحمل بسببها أوزاراً لم تصنعها
وآثاراً تثقل كواهلهم.
* * * * *
من هنا كان شعوري بالرضا لما
يهتم به المعهد الملكي للدراسات الدينية من شأن العلاقات بين المسلمين وغير
المسلمين في العالم العربي، وعلي النطاق الإنساني، فهو يقوم بدور ليس له
فيما أعلم نظير، ويؤديه بغير ضوضاء ولا جلبة، ويسير في إقامة بنائه بخطي
وئيدة لكنها مدروسة ومقدرة أحسن الدرس وأجود التقدير.
* * * * *
إنني أرجو أن يكمل المعهد في أقرب وقت ممكن أجزاء هذا المعجم المهم وأن
يسميه في الأجزاء القادمة أو في الطبعات القادمة منه (معجم أعلام العرب
المسيحيين في الحضارة الإسلامية) تجنباً لما قد يفهمه بعض الناس من عبارة (في
العصور الإسلامية)، ومن وقوف المعجم عند عام سقوط الخلافة الإسلامية أن (العصور
الإسلامية) قد وقفت عند هذا التاريخ لتبدأ في مسيرة أمتنا وثقافتنا
وحضارتنا عصور أخري، لا نعرف لها وصفاً، ولا نستطيع، ونحن مطمئنون، أن نطلق
عليها اسماً.
جميع حقوق النشر محفوظة 2005-2002م